عبد الرحمن السهيلي

297

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وذكر ابن هشام في الربانيين أنهم العلماء الفقهاء السادة وفي البخاري عن بعض أهل العلم قال : الربانيون الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره ، وقيل : نسبوا إلى علم الرب والفقه فيما أنزل وزيدت فيه الألف والنون لتفخيم الاسم ، وأنشد ابن هشام : لو كنت مرتهناً في القوس أفتنني * منها الكلام وربّانيّ أحبار وقال : القوس : الصومعة ، ومن كلام العرب : أنا بالقوس وأنت بالقرقوس ، فكيف نجتمع ؟ وقال في أفتنني : هي لغة تميم ، وفرق سيبويه بين فتنته وأفتنته ، وجعله من قول الخليل ، قال أفتنته : صيرته مفتتناً أو نحو هذا ، وفتنته ، جعلت فيه فتنةً ، كما تقول : كحلته جعلت في عينيه كحلاً ، ومآل هذا الفرق إلى أن فتنته صرفته ، فجاء على وزنه ، لأن المفتون مصروف عن حق ، وأفتنته بمعنى أضللته وأغويته ، فجاء على وزن ما هو في معناه ، وأما فتنت الحديدة في النار ، فعلى وزن فعلت ، لا غير ؛ لأنها في معنى : خبرتها ، وبلوتها ونحو ذلك . تفسير آناء الليل : فصل : وذكر ابن هشام في تفسير آناء الليل ، قال : واحد الآناء إني ، واستشهد عليه بقول الهذلي ، ثم أغرب بما حدثه به يونس ، فقال : ويقال إني فيما حدثني يونس بن حبيب ، وهذا الذي قاله آخراً هو لغة القرآن ، قال الله تعالى : « غير ناظرين إنَاه » . بعض الآيات المنزلة في قصص الأحبار : فصل : وذكر ابن إسحاق جملاً من الآيات المنزلة في قصص الأحبار ومسائلهم كلها واضحة ، والتكلم عليها يخرج عن غرض الكتاب إلى تفسير القرآن ، وفي جملتها قوله تعالى : « أيَّان مُرْسَاها » وقال الفراء في أيان : هي كلمتان ، جعلت واحدة ، والأصل : أي آن ، والآن والأوان بمعنى واحد ، كما يقال : راح ورياح ، وأنشد : نشاوى تسافوا * بالرّياح المفلفل وقد ذكر الهروي في أيان وجهاً آخر ، قال : يجوز أن يكون أصله : إيوان فاندغمت الياء في الواو مثل قيام . وذكر آية التيه وحبس بني إسرائيل فيه أربعين سنةً عقوبةً من الله تعالى لمخالفتهم أمره حين فزعوا من الجبارين لعظم أجسامهم ، وقال لهم رجلان وهما يوشع بن نون من سبط يوسف ، وكالب بن يوفيا من سبط يامين « ادْخُلوا عليهم البابَ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون » فلما عصوهما دعا عليهم موسى ، فتاهوا ، أي تحيروا ، وكانوا ستمائة ألف مقاتل ، فتاهوا في ستة فراسخ من الأرض ، يمشون النهار كله ، ثم يمسون حيث أصبحوا ، ويصبحون حيث أمسوا . وفي ذلك السنين أنزل عليهم المن والسلوى ، لأنهم شغلوا عن المعاش بالتيه في الأرض ، وأبقيت عليهم ثيابهم لا تخلق ، ولا تتسخ ، وتطول مع الصغير ، إذا طال ، وفيها استسقى لهم موسى ، فأمر أن يأخذ حجراً من الطور ، فيضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، وفيها ظلل عليهم الغمام لأنهم كانوا في البرية ، فظللوا من الشمس ، وذلك أن موسى كان ندم حين دعا عليهم لما رأى من جهدهم وحيرتهم في التيه ، فكان يدعو الله لهم في هذه الأمور ؛ لئلا يهلكوا في التيه جوعاً أو عرياً أو عطشاً ، فلما آسى عليهم قال له : « لا تَأْسَ على القوم الفاسقين » أي : الذين فسقوا أي : خرجوا عن أمرك . ومات في أيام التيه جميع كبارهم إلا يوشع وكالب فما دخل الأرض على الجبارين إلا خلوفهم وأبناؤهم ، وقيل : إن موسى مات في تلك السنين أيضاً ولم يشهد الفتح مع يوشع ، وقيل : بل كان مع يوشع حين افتتحها .